الإمام أحمد بن حنبل

34

مسند الإمام أحمد بن حنبل ( ط الرسالة )

8281 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ ، أَخْبَرَنَا وَرْقَاءُ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيَمُ

--> بالسكين ليشقه بينهما ، ولم يعزم على ذلك في الباطن ، وإنما أراد استكشاف الأمر ، فحصل مقصوده لذلك لجزع الصغرى الدال على عظيم الشفقة ، ولم يلتفت إلى إقرارها بقولها : هو ابن الكبرى ، لأنه علم أنها آثرت حياته ، فظهر له من قرينة شفقة الصغرى وعدمها في الكبرى - مع ما انضاف إلى ذلك من القرينة الدالَّةِ على صدقها - ما هجم به على الحكم للصغرى . ويحتمل أن يكون سليمان عليه السلام ممن يسوغ له أن يحكم بعلمه ، أو تكون الكبرى في تلك الحالة اعترفت بالحق لما رأت من سليمان الجد والعزم في ذلك . ونظير هذه القصة ما لو حكم حاكم على مُدَّعِ مُنكِر بيمين ، فلما مضى ليحلفه حضر من استخرج من المنكر ما اقتضى إقراره بما أراد أن يحلف على جحده ، فإنه - والحالة هذه - يحكم عليه بإقراره ، سواء كان ذلك قبل اليمين أو بعدها ، ولا يكون ذلك من نقض الحكم الأول ، ولكن من باب تبدُل الأحكام بتبدل الأسباب . وقال ابن الجوزي : استنبط سليمان لما رأى الأمر محتملَا فأجاد ، وكلاهما حكم بالاجتهاد ، لأنه لو كان داود حكم بالنص لما ساغ لسليمان أن يحكم بخلافه . ودلت هذه القصة على أن الفطنة والفهم موهبة من اللَّه لا تتعلق بكبر سن ولا صغره . وفيه أن الحق في جهة واحدة ، وأن الأنبياء يسوغ لهم الحكم بالاجتهاد ، وإن كان وجود النص ممكناً لديهم بالوحي ، لكن في ذلك زيادة في أجورهم ، ولعصمتهم من الخطأ في ذلك ، إذ لا يقرون - لعصمتهم - على الباطل . وقال النووي : إن سليمان فعل ذلك تحيُّلًا على إظهار الحق ، فكان كما لو اعترف المحكوم له بعد الحكم أن الحق لخصمه . وفيه استعمال الحيل في الأحكام لاستخراج الحقوق ، ولا يتأتى ذلك إلا بمزيد الفطنة وممارسة الأحوال .